محمد هادي معرفة

271

التفسير الأثري الجامع

صدام ولا خصام ، ولا تبديد للجهد ولا بعثرة للطّاقة . وقوى الكون كلّه تتجمّع إلى قوّته ، وتهتدي بالنور الّذي يهتدي به ، وتتّجه إلى اللّه وهو معها يتّجه إلى اللّه . والتكاليف الّتي يفرضها الإسلام على المسلم كلّها من الفطرة ولتصحيح الفطرة . لا تتجاوز الطاقة ؛ ولا تتجاهل طبيعة الإنسان وتركيبه ؛ ولا تهمل طاقة واحدة من طاقاته لا تطلقها للعمل والبناء والنماء ؛ ولا تنسى حاجة واحدة من حاجات تكوينه الجثماني والروحي لا تلبّيها في يسر وفي سماحة وفي رخاء . ومن ثمّ لا يحار ولا يقلق في مواجهة تكاليفه . يحمل منها ما يطيق حمله ، ويمضي في الطريق إلى اللّه في طمأنينة وروح وسلام . والمجتمع الّذي ينشئه هذا المنهج الربّاني ، في ظلّ النظام الّذي ينبثق من هذه العقيدة الجميلة الكريمة ، والضمانات الّتي يحيط بها النفس والعرض والمال . كلّها ممّا يشيع السلم وينشر روح السّلام . هذا المجتمع المتوادّ المتحابّ المترابط المتضامن المتكافل المتناسق . هذا المجتمع الّذي حقّقه الإسلام مرّة في أرقى وأصفى صوره . ثمّ ظلّ يحقّقه في صور شتّى على توالي الحقب ، تختلف درجة صفائه ، ولكنّه يظلّ في جملته خيرا من كلّ مجتمع آخر صاغته الجاهليّة في الماضي والحاضر ، وكلّ مجتمع لوّثته هذه الجاهليّة بتصوّراتها ونظمها الأرضية ! هذا المجتمع الّذي تربطه آصرة واحدة - آصرة العقيدة - حيث تذوب فيها الأجناس والأوطان ، واللّغات والألوان ، وسائر هذه الأواصر العرضيّة الّتي لا علاقة لها بجوهر الإنسان . هذا المجتمع الّذي يسمع اللّه يقول له : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ « 1 » . [ 2 / 5869 ] والّذي يرى صورته في قول النبيّ الكريم : « مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » « 2 » . هذا المجتمع الّذي من آدابه : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها « 3 » . وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ « 4 » . ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا

--> ( 1 ) الحجرات 49 : 10 . ( 2 ) مسند أحمد 4 : 270 ؛ مسلم 8 : 20 . ( 3 ) النساء 4 : 86 . ( 4 ) لقمان 31 : 18 .